12.18.2007

هكـــذا بــدت





عدت بعد عناء السهر إلى داري ..دخلت غرفتي .. حركت شعر رأسي بأناملي .. ثم استلقيت على سريري .. فتذكرتها ..


ابنتي الحبيبة .. تتركني الليلة ولأول مرة .. تغادر دارها الذي ترعرعت به .. تنسى غرفتها ، سريرها وحاجياتها ذاهبة إلى عش جديد مع زوجها ..
نهضت من سريري ، بعدما ملأت دموعي وسادتي .. توجهت إلى غرفتها .. فتحتها بهدوء .. إنها المرة الاولى التي تخرج منها دون أن تقفل بابها .. ذرفت دموعي من جديد .. ألن تعود ابنتي ؟
جلست على مقعدها .. بدأت أتامل ما حولي ..
واستعيد شريط ذكرياتي معها ..


فبالامس البعيد .. البعيد ..


كانت .. تلازمني .. تلاحقني وتقلدني ..كانت تبحث عني أينما ذهبت ..


أحملها بين أحضاني .. والكل ينشدني أن :


( لا فرق بيني وبينها صغيرتي .. سوى شعري الأسود وشعرها الأشقر ) .


كبرت .. وبدأت تفخر بضفيرتيها الطويلتين .. تقفز فتطيران خلفها وهذا مرادها ..


تحمل حقيبتها الثقيلة متجهة نحو مدرستها بسعادة .. فكم تشعر بداخلها أنها بدت كبيرة كاخوتها .



وبالأمس البعيد ..


بلغت ابنتي عامها السادس عشر .. فبدأت تقفل باب دارها .. تخبئ حاجياتها في صندوق صغير ، لاتنسى ان تقفله مرارا .. تجمع أوراقها تحت وسادتها .. تغيّر تسريحة شعرها على غير عادتها ..تجادلني .. تخاصمني .. تبحث عن صديقاتها أكثر من بحثها عني ..
كبرت ابنتي ..



وقبل أعوام قليلة .. أتت تجري نحوي .. عانقتني وهي تبكي .. فلقد حصلت على مجموع حلمت به طويلا في مرحلتها الثانوية .. دخلت به حبيبتي .. ميدان الجامعة ..


حينها فقط .. بدأت تعود إلي .. تحتاج لي .. فيالفرحتي بها !



الليلة .. كان موعد زفافها .. كانت سعيدة للغاية .. بفستانها الأبيض تزهو .


كنتُ أنظر إليها .. فبعدما كانت بين يديّ طوال تلك السنين .. هاهي اليوم يمسك أحدهم بيدها .. يضع يده الاخرى عل كتفها .. ينظر إليها ويتأملها ..
شعرتُ بأن كل شئ من حولي يبكيني .. حزنا عليها ، أم فرحا بها ولها .. لستُ أدري !



وقفتُ في لحظتي الأخيرة معها .. بجوارها .. قبّلتها .. فالتقطت إحداهن صورة لي معها ..
اقتربت تلك السيدة مني .. أنشدتني :


( كم تشبهك ابنتك كثيرا .. ولا فرق بينكما سوى شعرها الأسود وشعرك الأبيض ) .
ابتسمت .. ثم طويتُ خطواتي بعدها ..إلى داري .. إلى غرفتي .. ثم إلى غرفة ابنتي .. وها أنا ذا أجلس على مقعدها ، واُزيل دموعي عن وجنتيّ .




تم

هناك 5 تعليقات:

فاطمه أحمد يقول...

لا أملك ما أقوله سوى:
آه على الأم كم تقاسي ..

سلمت أناملك .. سلمت كلماتك ..
وسلمت نلك الأحاسيس الحارة التي جعلتها تختبأ بين سطورك ..
فأنا كلي يقين بأنها ستهز كل من يقرأها ..
لا سيما إن كان يدرك شعور تلك الأم أو تلك الأبنة ..

همسة قلم ..

ريما يقول...

الأم كتلة مشاعر ملتهبة تحرق نفسها لتنير طريق ابنائها تعاني وتعاني في سبيل أن تجدهم بخير هي لاتريد منهم شيئاً سوا أن يكونو بخير وسعادة وهذا كفيل أن ينسيها كل الألم ..

ربما هذة الأم رومانسية زيادة حبتين لكني أجد كل الأمهات كذلك ..

لابد أن تستمر الحياة بوجود من نحب أو بفراقهم ، ومكانهم محفوظ في ركنِ أمين من القلب ..

أحمد محمد يقول...

تصوير جميل لاحدى سنن الحياة،
سنن قد لا يقنع الانسان بها دوما...
لكنها سارية لا محاله،
فلا سبيل سوى الالمام بكيفية التعاطي معها.

أحمد محمد

علي محمد يقول...

رهيبه حيل

ملاك يقول...

هكذا نستطيع التعبير عما في داخلنا
نختار اقرب شيء لنا
وهو نزف القلم
كم راائعة كلماتك
اشكرك كل الشكر غ ــاليتي