12.06.2007

أرحيلكما ألمي .. أم عيناي ؟

أَرَحيلَكُمَا أَلَمي ... أَم عَيناي ؟

لماذا رحلتي قبل أن تُقبّليني قُبلة حنان تبارك لي حياتــــــــــــي ؟!
لماذا لم تمسحي بيدكِ الطاهرة على جبيني فتسعد بها أيــامي ؟!
لماذا لم تضُميني إلى صدركِ الدافئ قبل أن ترحلي لأشعر بدفءٍ شعر به أبناء العالم سواي؟!
لماذا لـم تأخُــذينـي مـعـكِ عـنــدما عــــزمـتِ عـلــى الرحــيـل ؟!
أمي... اُجزم أنكِ الحنان رغم أني لم أذقـه منكِ... بل اُجزم أن الحنان هو أنتِ...
إعلمي أمي... أني قادرة على وصفــكِ .. كما علمـتني جـدتي...
فأعلم أنكِ البياض رغم أني لا أعــرف كيف هو الـلون الأبــيض !!!
وأعرف لون شعركِ ، وجمـالكِ ، وحمرة وجــــنتيكِ ، رغم أنــي لم اُبصــر الحمرة يوماً!!!
أتخيل دائماً شكل عينيكِ ، رغم أني لا أعرف شكل العيون!!!
لقد خرجتُ إلى الحـياة لأعــي ... بأنني خـــرجتُ مـــمن لـم أرها، ولن أرها... فيا ليتني كنت بصيرة لأرى نوركِِ ، لا أكثر...
خرجتُ ممن وضعتني ورحلت... (رحمكِ الله أمي الحبيبة).
لقد مضت شهوري الاولى مريرة...
قد أتذكـر منها... حـين أمسكتُ بعد محاولات عـدة ، و مشـقة وعـناء، وغزارة دموع وبكاء، بإصبع ملأ كفي...
فلم أتمـكن من أن أصل أطراف أنـاملي الصغيرة براحـة يـدي !
كم كنتُ أبذل قُصارى جهدي لأزيد إمساكي به ...
وفجأة ...
يحاول نزع إصبعه مني ! لماذا أبي ؟!
حتماً لم تكن تُدرك مدى الألم الذي كنتُ أجده من ذلك..
لا جَدَل بأنني كنتُ أقف برهة.. ثم أغمض عيناي الكفيفتان ،
واُخرج شفتي التي تعبّر عن مدى ألمي ، وبدء البكاء،
وأنطلق صارخة بأعلى صوتي... إلى أن يضُمني والدي إلى صدرهِ الحّان.. يربّتُ عليّ... فأنام.
مضت الأيام... وبلغتُ الثانية من عمري...
تعلمتُ أن أضع قدماي على الأرض التي سأحيا عليها... تعلمتُ أن أسير تجاه والدي سامعة ألحانه الشّدية ليجذبني إليه...
تاركة جدتي التي كانت تُنافس أبي فتنشد أغنياتها القديمــة بصوتها... المتقطع.. المهتز.
وطوى الدهر أيامه وسنينه وبلغتُ الثامنة من عمري ... أصبحتُ أدركُ كل شئ من حولي.. علمني والدي أن أعتمد على نفسي في جميع أموري.
ونشأتُ على ألا ّ أعتمد على غيري أبداً.
كنتُ اُلاحظ مساعدات العالم لي من حولي ، وخصوصاً جدتي التي كانت تطمع أن أكون عالمة زماني.
فكانت تعينني بعطفٍ في كل شئ... وكنتُ أدرك خطواتها في غرفتي حينما تمشي على أطراف أصابعها خشية من أن تجرح مشاعري ... فتضع ملابسي في مقدمة خزانتي لتسّهل عليّ أمري... لذا... كنت أعمد دائماً إلى تغيير ما أعدته لي. ( عذراً جدتي ).
التحقتُ بمدرسة المكفوفين... أحببتها كثيراً... فقد علمتني أشياء لم أكن اعلمها أبداً.
كنتُ أحكي لجدتي كل ما تعلمته عندما أعود... ولا أترك لها وقتاً لتحكي لي حكاياتها القديمة... التي طالما أعادتها لي كل ليلة منذ أن كنت صغيرة لا أدرك ما تقول!!!
يأتي والدي من عمله متأخراً... منهكاً... إلا أنني اُفرغ عليه بسعادة كل ما عملت في مدرستي.
تسابقني جدتي بذكر حديثي... فأتركها لتكمله.
ولا أعلم... قدر سعادتها عندما تكمل ما أود إخبار والدي به.
مضت الشهور وأقبل اليوم الأخير من سنتي الدراسية... كانت قدماي ثقيلتان تجذبهما الأرض بشدة خشية الوصول إلى المدرسة واستلام النتيجة ...
ومهما مضى من وقت فإنني وصلتُ إليها... وقفتُ أمام اُستاذتي... فَتَحَت أصابع يدي بعد أن اشتبكت مع بعضها خوف الواقع ...وَضَعَت نتيجتي في قبضة يدي ... انتظرتُ حديثها... لتخبرني بمكنونها... هَتَفَت فرحة لي : (لقد نجحتِ ولكِ مستقبل باهر).
لا أتذكر كيف تركتها وطويتُ خطواتي سريعاً !! فلم أجد نفسي إلا أمام باب منزلنا.
خَرَجَت جدتي ورأت دموع الفرح تملأ وجنتيّ ضمّتني إلى صدرها بشدة.. وَبَكَت!! مَسَحَت بكفّها المجّعد على عينيّ وكأنني أبصرتُ حينها أمي... أمسكتُ بيدها فقبّلتها..فطالما ساعدتني ورعتني... كم اُحبكِ جدتي.. واعلمي أن هذه اولى خطوات نجاحي ...
صحبتني إلى حديقتنا فاستلقيتُ على العشب الأخضر... ومددتُ يديّ في كل جانب... وجهّت نظري إلى السماء وانطلقتُ اُخبر ها بما قد تراه...
فتلك هي الطيور تحلقُ في الفضاء تجاهكِ جدتي... وهاهي الشمس مشرقة تمتد منها خيوطاً ذهبية فتصل إلى عينيكِ فتغمضيها ...وإن نظرتِ جانباً.. فسترين الأزهار الملونة بأشكالها العديدة تزيّن العشب الأخضر، الذي أحاط بشجرة عظيمة غرسها لكِ جدي عندما أنجبتِ أمي !!
نعــــــــــــــــــم... هذا ما أتوقع حدوثه عندما تَفتَح لي جدتي الباب الآن ...
أزلتُ دموعي التي عبّرت عن سعادتي ..ووضعتُ إصبعي على الجرس.. وقرعته...
فُتِحَ الباب ...لم يتحدث أحداً... يجب أن أستبق أنا الحديث فلا بد أنها جدتي .. تلعثمت وبدأت تعيد طقم أسنانها لتبحث عن أحرفاً تعّبر بها...
ولكن!! سرعان ما وجدت أن ذراعيّ والدي تحيطان بي...
واعجباه !!! لقد أتيت اليوم من عملكَ باكراً أبي ..لا شك أنكَ تنتظر نتيجتي ...أمسكَ بيديّ ورفعهما إلى السماء وأمرني أن أدعوَ لجدتي بالشفاء العاجل ...
هرولَت قدماي إلى غرفتها... وقد ملأتُ طريقها دموعاً سخية..جَلَستُ بجوار سريرها تحسستُ وجودها ..أمسكتُ بيدها فأمسكَت بي ... شعرتُ ببرودتها وضآلة جسمها...هتفتُ :
(انهضي جدتي فلقد نجحت كما أردتي) .
لم أعلم كيف بدت ملامحها ! لكنها نطقت:( سأضمكِ في الجنة حبيبتي، فادعي لي بيسير الحساب).
حدّثتها قائلة :(إن كنتُ لا اُبصر سوى الظلام فقد كان ظلامي ذاك نوراً، وسأرى الظلام من بعدكِ جدتي). مددتُ يدي لأضعها على عينيها بعد أن أزيل نظارتها الكبيرة...فما وجدتُ سوى غطاء قد اُسدلَ عليها... صرختُ باكية : ( لتعودي جدتي وتخبري والدي بأحاديثي... لتعودي جدتي وتعيدي اسطورة حكاياتكِ كل ليلة ... لتعودي وتنشدي اُغنياتكِ القديمة... وأعدكِ بأن اُنشدها معكِ...لتعودي وتعدّي لي ملابسي وأقسم بأني سألبسها... لتعودي جدتي لاُ خبركِ بألم قد جَرَحَ قلبي لرحيل أمي عني.. وألم أنهك جسمي الآن لرحيل جدتي الحبيبة) .
فَتَحتُ نافذتها ...
وصرختُ بأعلى صوتي : اُقسم بأنني سأنطلق في حياتي.. وأحقق أضعاف ما حققته من نجاح لأجلك.. ولاُخبركِ بذلك حين ألتقي معكِ.. وأمي... يوماً...
(وها أنا الآن قد دوّنتُ حكايتي بعد أن بلغتُ الرابعة والعشرين من عمري ...وقد حققتُ فعلاً ما أردت . بكوني... (أكبر كاتبة كــفـيـفة ).. إلا أنني رغم ما وصلتُ إليه... أخشى دائماً أن أكتب خواطر وروايات على ورقة كنت قد دوّنت عليها حكايات من قبل !!
حررتها في العام 2003

هناك تعليقان (2):

ريما يقول...

إذا قيمت القصة بقولي رائعة أكون قد أجحفت بحقها ،،

إنه ( الحلــــــــــــــــــم )

النبض الذي بداخلي وبداخلك ، إنه الطموح وعقد العزم والرغبة الصادقة في الوصول ...

إنها الخطى الذكية للوصول ولتحقيق مانصبو لتحقيقه وجعله واقع ملموس

كفيفة أبصرت النور وأنا المبصرة ماذا أبصرت ؟!

سأسعى للوصول لأحقق طموحاتي وأحلامي بخطى ثابتة حتى أصل .


سأبقى متابعة فقد راقني قلمك


محبتي

أحمد محمد يقول...

أنه شكر الاله...
نعم الله على الانسان لا تحصى، فوجب الحمد في كل حين...

"إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري وتضاءل في جنة إكرامك إيايﱠ ثنائي ونشري....... فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر، فكلما قلت لك الحمد وجب علىﱠ لذلك أن أقول لك الحمد".

أحمد محمد